15 دقيقة من النار الضربة التي أوقفت التعزيزات اليابانية

28 فبراير , 2026

Sat, Feb 28 at 6:17 PM

( حظروا هجومه الانتحاري على ارتفاع 50 قدمًا إلى أن دمّر 8 سفن يابانية في 15 دقيقة )

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد  فيصل حمادي غضبان 

27 شباط 2026

١. في الساعة 06:30 من صباح الأول من مارس عام 1943، كان الرائد  ( إد لنر  ) يقف على المدرج المرجاني المبتلّ بالمطر في ( بورت مورسبي ) يراقب أطقم قاذفات القنابل من طراز  ( B-25 ميتشل ) وهم يستعدون لمهمة كانت القيادة العليا قد وصفتها بالفعل بأنها مستحيلة.كان يبلغ من العمر 31 عامًا، أتمّ 72 مهمة قتالية، ولم يُغرق أي سفينة. كان اليابانيون قد أرسلوا ثماني سفن نقل جنود وثماني مدمرات من  ( رابول ) وعلى متنها قرابة 7,000 جندي لتعزيز حاميتهم في ( لاي ) 

٢. استلمت الاستخبارات الأمريكية  معلومة عن مغادرة القافلة. وكل سفينة نقل تصل إلى  ( لاي ) تعني فرقة إضافية سيتعيّن على الحلفاء انتزاعها من الأدغال بثمنٍ من الدم. 

٣. كانت معضلة (  لنر  ) بسيطة وواضحة.القصف التقليدي من ارتفاع 10,000 قدم كان يمنح السفن  اليابانية وقتًا كافيًا للمناورة. كان القادة يراقبون القاذفات الأمريكية وهي ترتفع إلى علوّها، يحسبون مسار القنابل، ثم يوجّهون سفنهم بعيدًا عن مناطق السقوط.طوال ثمانية أشهر، حاولت قاذفات القوة الجوية الخامسة إصابة القوافل اليابانية. نسبة الإصابة: 3%. معظم القنابل كانت تنفجر في مياه خالية بينما تواصل السفن إبحارها. كانت الحسابات قاسية.

٤. قنبلة تزن 1,000 رطل تُسقط من ارتفاع عالٍ تستغرق 37 ثانية لتصل إلى الماء. خلال تلك الـ37 ثانية، يمكن لمدمرة تسير بسرعة 30 عقدة أن تقطع 380 ياردة أي أكثر من ثلاثة ملاعب كرة قدم.كان الملاح يقصف المكان الذي كانت فيه السفينة. لكن القنبلة كانت تصيب المكان الذي لم تعد السفينة فيه. شاهد ( لنر  ) ذلك يحدث مهمة بعد أخرى. كانت القاذفات تعود بصور مثالية تُظهر نمط قصف محكمًا حول السفن لا عليها. كانت الأطقم تُبلغ عن إصابات مباشرة، ليتبيّن لاحقًا أنها كانت إصابات قريبة لا أكثر.

٥. اليابانيون استمروا في الإبحار. خسائر القاذفات الأمريكية كانت في تزايد. فقد سربه أربع طائرات في الشهر الماضي أثناء محاولة ضرب القوافل. أربعون رجلًا. كان اليابانيون يُسقطون القاذفات عالية الارتفاع بدقة منهجية. كان لدى مدفعيهم الوقت الكافي لتتبّع الاقتراب، حساب زاوية التقدم، وإحاطة التشكيل بسيل من النيران المضادة للطائرات.وبحلول لحظة سقوط القنابل، كان نصف السرب يحترق.

٦. الجنرال ( جورج كيني ) قائد القوة الجوية الخامسة، اقترح شيئًا بدا جنونيًا لكل طيار سمع به أن تُقذف القنبلة لتقفز فوق سطح الماء مثل حجر مسطّح. أن يحلّقوا على ارتفاع 50 قدمًا فقط. أن تُطلق القنبلة من مسافة 300 ياردة بصاعق تأخير لمدة خمس ثوانٍ.تدعها قوة الدفع تحملها إلى هيكل السفينة. تقفز القنبلة مرة، وربما مرتين، ثم تنفجر عند الاصطدام أو أسفل خط الماء مباشرة. قال المنظّرون إن الأمر سينجح.

٧. الطيارون فقالوا إنه انتحار.التحليق بقاذفة ثنائية المحرك على ارتفاع 50 قدمًا فوق أمواج البحر مباشرة نحو سفينة مليئة بالمدافع المضادة للطائرات كان يناقض كل غريزة بقاء طورها ( لنر ).

٨. كانت المدمرات اليابانية تحمل مدافع رئيسية عيار 127 ملم، ومدافع آلية عيار 25 ملم، وعشرات الأسلحة الأخف. وكلها قادرة على تتبّع قاذفة على ذلك الارتفاع. إصابة واحدة مباشرة في المحرك كفيلة بأن تجعل الـB-25 تنقلب في البحر قبل أن يرمش الطاقم.

٩. القيادة العليا منعت  التكتيك بالقصف المنخفض مرتين.  لانه خطير جدًا، كان تجريبي، غير مُثبت.طُلب  ( لنر  ) التدريب على القصف الارتدادي في ديسمبر ثم في يناير، لكن رُفض طلبه. وجاء الرد الرسمي بأنه “استهتار متهور بالمعدات والأفراد”.كان يُفترض بالأطقم الجوية التركيز على التكتيكات المُجرّبة على الارتفاعات العالية.

١٠. التكتيكات العالية لم تكن تُغرق السفن. عاد (  لنر  ) إلى خيمة العمليات، ونشر صور الاستطلاع فوق طاولة التخطيط. شوهدت القافلة اليابانية عند الفجر، متجهة جنوب شرق عبر بحر  ( بسمارك ) ثماني سفن نقل ضخمة في عمودين، والمدمرات تحمي الأجنحة.كل سفينة محمّلة بالجنود والمدفعية والذخيرة. إذا وصلت تلك السفن إلى  ( لاي ) فإن الحرب في ( غينيا الجديدة )  ستطول عامًا آخر.

كانت لديه فكرة إما أن تثبت صحة إيمان  ( كيني ) بالهجمات منخفضة الارتفاع، أو أن تقتل 60 من أطقم الطائرات الأمريكية قبل الظهر.كانت القافلة ستمر ضمن مدى الضربة عند الساعة 09:00…

١١. لم يكن الهجوم سيأتي من السماء العالية : عند الساعة 08:45 أقلعت طائرات الـB-25 من بورت مورسبي، تحلّق على ارتفاع منخفض فوق سطح البحر لتفادي الرادار والرصد البصري المبكر. لم تصعد إلى عشرة آلاف قدم. لم تتشكل في صفوف تقليدية. كانت تطير منخفضة، سريعة، ومباشرة نحو الهدف.في الساعة 09:30 تقريبًا، رصدت الطائرات القافلة اليابانية في بحر بسمارك.بدأت الموجة الأولى الهجوم من ارتفاع متوسط لجذب انتباه المدفعية المضادة للطائرات وتشتيت الدفاعات. ارتفعت الانفجارات في السماء بينما كانت المدمرات تطلق نيرانها بكثافة نحو القاذفات العالية.

١٢. ثم جاءت الضربة الحقيقية.انخفضت طائرات لنر إلى خمسين قدمًا فقط فوق سطح الماء. كانت الأمواج تتناثر على الزجاج الأمامي. كان الطيارون يشعرون بكل اهتزاز في الهواء الرطب الثقيل. لم يعد هناك وقت للحسابات المعقدة. لا تصحيح للرياح. لا انتظار طويل لسقوط القنبلة.

على بعد 300 ياردة فقط من السفن، ضغطوا زر الإطلاق.

قفزت القنابل فوق الماء مثل حجارة مسطّحة. ارتطمت بالموجة الأولى، ثم اندفعت مباشرة نحو هياكل السفن اليابانية. بعضها ضرب جوانب السفن مباشرة. بعضها دخل تحت خط الماء قبل أن ينفجر بعد خمس ثوانٍ — داخل أجسام السفن نفسها.خلال دقائق، تحولت القافلة إلى فوضى كاملة.اشتعلت النيران في أول سفينة نقل. ثم ثانية. ثم ثالثة. المدمرات حاولت المناورة، لكن الهجوم كان قريبًا جدًا وسريعًا جدًا. لم يكن لدى المدفعية الوقت الكافي لتعديل زاوية الرمي. لم يكن هناك ارتفاع يمكنهم تقديره أو مسافة يمكنهم حسابها.كانت القاذفات تمر على ارتفاع منخفض جدًا لدرجة أن بعض المدفعيين اليابانيين لم يتمكنوا من خفض سبطانات مدافعهم بما يكفي.خلال خمس عشرة دقيقة، كانت ثماني سفن يابانية تحترق أو تغرق.تحولت المياه إلى بقع سوداء من الوقود المشتعل. امتلأ الهواء بالدخان الكثيف. الجنود اليابانيون الذين كانوا متجهين لتعزيز لاي وجدوا أنفسهم يقفزون في بحر مليء بالحطام والنار.الهجوم لم يكن بلا ثمن. بعض الطائرات أُصيبت. بعض الأطقم لم تعد. لكن نسبة الإصابة تغيّرت بشكل دراماتيكي.لم تعد 3%.

١٣. كانت الضربة ساحقة : بحلول نهاية معركة بحر بسمارك، خسر اليابانيون معظم سفن النقل وثلاث إلى أربع مدمرات، وقُتل الآلاف من الجنود. لم تصل التعزيزات إلى  ( لاي )كما خُطط لها.

١٤. تكتيك “القصف الارتدادي” الذي وُصف بالانتحاري، فقد أصبح عقيدة قتالية.ما تم حظره باعتباره تهورًا أصبح أحد أنجح تكتيكات الهجوم البحري منخفض الارتفاع في مسرح المحيط الهادئ.الرائد الذي لم يُغرق أي سفينة خلال 72 مهمة، شارك في عملية غيّرت قواعد الاشتباك خلال خمسة عشر دقيقة فقط.أحيانًا، لا يكون الحل في الطيران أعلى…بل في الجرأة على الطيران أخفض من أي وقت مضى.

١٥. الخلاصة : اعتبر الطيارون التكتيك انتحاريًا. الطيران على ارتفاع 50 قدمًا أمام مدافع بحرية كثيفة بدا مخاطرة قاتلة. وقد رُفضت الفكرة في البداية بسبب خطورتها.لكن عندما طُبّق التكتيك فعليًا، تغيّرت المعادلة بالكامل. خلال دقائق، دُمّرت عدة سفن نقل يابانية وأُغرقت مدمرات، وفشلت محاولة تعزيز القوات اليابانية في  ( غينيا الجديدة ) صحيح أن الهجوم لم يكن بلا ثمن، فقد سقطت طائرات وأطقم، لكن النتائج كانت حاسمة.تحول التكتيك الذي وُصف بالمتهور إلى عقيدة قتالية معتمدة، وأثبت أن الجرأة المدروسة قد تكسر قواعد الحرب التقليدية.أحيانًا يكون الثمن مرتفعًا، لكن النجاح الاستراتيجي الذي يغير مسار المعركة يكون أثمن من الخسائر نفسها