عودُ الثقابٍ بين النبوءة والجنون

23 فبراير , 2026

—————————————-

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان

21 شباط 2026

١. في الحروب، لا تنتصر القوة وحدها، ولا يكفي التفوق الميداني إن غفلت البصيرة.في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وخلال حرب الفوكلاند بين المملكة المتحدة والأرجنتين، حلق طيار  أرجنتيني بطائرة من جيلٍ قديم ، لكنه حمل جرأة القرار وسرعة المبادرة. لم تكن المفاجأة في السلاح وحده، بل في كسر التوقعات. وعندما أُصيبت المدمّرة البريطانية HMS Sheffield المسماة ( صاحبة الجلالة ) بصاروخ «إكزوسيت»، اهتزّ يقين التفوق، وارتجف ميزان الثقة.هكذا تُصنع الصدمة من ثغرةٍ صغيرة في حسابات الكبار، من زاويةٍ لم تُقرأ جيداً، من عود ثقابٍ ظنّه البعض بلا قيمة.

٢. اليوم، والعالم يضجّ بتوتراتٍ متشابكة، تبدو الصورة أقرب إلى طاولةٍ تتراكم فوقها أوراق المصالح والتحالفات والردع المتبادل، بينما تحتها عود ثقابٍ مُهمَل. قد يراه البعض تفصيلاً عابراً، لكن التاريخ يهمس بأن الشرارة الصغيرة قد تشعل حريقاً لا يُبقي ولا يذر. أهي قراءةُ واقعيةٍ لسنن الصراع، أم هي غرورُ قوةٍ تعتقد أن النار لا تصلها.

٣. في عام 1984، خلال دورةٍ في الهند، كانت زيارةٌ  لنا إلى مستشفى الأمراض العقلية العسكري في ولاية مدراس. بين الراقدين طيارٌ برتبة رائد، تشير سجلات خدمته إلى كفاءةٍ وشجاعةٍ نادرتين. كان يحتفظ بأعواد ثقابٍ ويُردّد: “سيأتي يومٌ تحرق فيه العالم عندما تقع في يد مجنون، دون أن يدرك أحدٌ خطورتك.كلماته بدت هذياناً، لكنّ الهذيان أحياناً يلتقط ما تغفله العقول المطمئنة. ليس كل مجنونٍ نبياً، غير أن بعض النبوءات تولد على هامش العقل، حيث لا تخضع الكلمات لحسابات البروتوكول ولا لمجاملات السياسة.

بين النبوءة والحقيقة مسافةُ وعي.فإن أدركت القيادات أن “عود الثقاب” قد يكون تصريحاً متهوراً، أو خطأً تكتيكياً، أو قراراً متعجلاً، فإنها تُحكم القبضة على الشرارة قبل أن تتسع النار.وإن استهانت به، ظنّاً أن التفوق يحصّنها، فإنها تترك الاحتمال يكبر في الظل.ربما لم يكن ذلك الطيار مجنوناً تماماً، وربما لم يكن عاقلاً تماماً. لكنه التقط جوهر الفكرة ( العالم لا يحترق بقوته، بل بتهوره ).وفي زمنٍ تتراكم فيه أعواد الثقاب تحت الطاولات الدولية، يصبح السؤال ليس: هل ستقع الشرارة ( بل يمنعها من يملك شجاعة إبعادها قبل أن تشتعل ).صدق المجانين أحياناً، لأنهم يتحدثون بلا خوف. أما العقلاء، فمسؤوليتهم أن يمنعوا تحقّق ما يبدو غير معقول.

٣. قد يقول البعض  ( ربما تريد ان تعكس ماجاء اعلاه على التوتر الحالي بين امريكا وايران ) ان الوصف يشير الى   تركيز مكثّف ومحمّل بالقلق المشروع.عندما تلمح الى  ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران بأنه “سباق بين مجانين لإخراج عود الثقاب” هو توصيف أدبي أكثر منه سياسي. السبب ان العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ليست وليدة اللحظة، بل تراكمٌ ممتد منذ عام 1979، وتحديداً منذ أزمة السفارة الأميركية في طهران. ومنذ ذلك الحين، العلاقة تقوم على ثلاث قواعد ثابتة:

 أ. عداء مُعلن في الخطاب السياسي.

 ب. ردع متبادل يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.

 ج. اشتباك غير مباشر عبر ساحات إقليمية.

٤. ما يبدو أحياناً تصعيداً خطيراً هو في الغالب لعبة “حافة الهاوية” (Brinkmanship) رفع سقف التوتر إلى أقصى حدّ ممكن دون تجاوزه. كل طرف يلوّح بعود الثقاب، لكنه يدرك أن إشعاله قد يحرقه أولاً.هل يوجد تهوّر نعم، في بعض الحسابات التكتيكية أو في رسائل القوة المبالغ بها.

هل هو “جنون”غالباً لا. الدول الكبرى حين تتصرف بحدة تحسب الكلفة الاستراتيجية بعناية، لأن الحرب المباشرة بينهما تعني:

 أ. اضطراباً في أسواق الطاقة.

 ب. انفجاراً إقليمياً واسعاً.

 ج.استنزافاً عسكرياً واقتصادياً للطرفين.

٥. الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار واعي لخطورة الحرب بل في سوء التقدير ( صاروخ يُفهم خطأً، ضربة محسوبة تتجاوز حدودها، أو فاعل ثالث يشعل مواجهة لا يريدها الطرفان ).هنا يعود “عود الثقاب” الذي تحدّثت عنه ليس مجنوناً يلوّح به، بل لحظة خطأ في بيئة متوترة.العالم اليوم ليس سباق مجانين بقدر ما هو توازن أعصاب.المشكلة أن توازن الأعصاب يحتاج إلى رؤية بعيدة وصبر طويل، وأي انفعال قصير قد يُحدث شرارة غير محسوبة.السؤال الأهم ليس ( هل هم مجانين بل هل ما زالت قنوات العقل والحسابات الباردة أقوى من ضغط اللحظة ).

٦. الخلاصة : المتوقع في ميزان العقل السياسي أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ستبقى ضمن إطار التصعيد المحسوب لا الحرب الشاملة.كلا الطرفين يدرك أن المواجهة المباشرة ستكون مكلفة إلى حدٍّ قد يفوق أي مكسب سياسي أو عسكري محتمل. لذلك يُرجَّح استمرار نمط ( رسائل قوة متبادلة، ضغوط اقتصادية وعقوبات، احتكاكات غير مباشرة عبر ساحات إقليمية،ثم عودة إلى ضبط الإيقاع عند حافة الانفجار ).الخطر الحقيقي لا يكمن في قرار حرب معلن، بل في سوء تقدير أو خطأ تكتيكي قد يتدحرج بسرعة في بيئة مشحونة. الشرارة غالباً لا تُشعلها الاستراتيجيات الكبرى، بل التفاصيل الصغيرة التي يُستهان بها.وعليه، فالأقرب أن يستمر التوتر كأداة ضغط متبادل، مع حرصٍ غير مُعلن على إبقاء النار تحت السيطرة.غير أن التاريخ يذكّرنا بأن الاستهانة بالشرارات هي بداية الحرائق صدقَ المجانين وإن تخيلوا .