ضحايا الغضب هل ينصفهم التاريخ

15 أغسطس , 2025

اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان————————————————

التاريخ لن ينصف الجميع بل يكتب احياناً بأقلام المنتصرين وقد يكون منصفاً بعد حين عندما تتكشف الحقائق واحيانا يكون الإنصاف قاصراً فلا يظهر الا كحكاية منسيه واخيراً يبقى الضمير الانساني هو الحكم والتاريخ ليس الا مرأة تعكس ما يسمح له الزمان بالبقاء ..ولهذا تطلب الايضاح بما يخص موضوع ( الشهيد المظلوم النقيب الطيار صميم أبراهيم السامرائي أحد ضحايا الغضب الاعمى ) سأتسلسل بالتفاصيل وفق ما مبين ادناه .

١. كان يوم ٢٣ تشرين اول ١٩٨٠ بالنسبة لنا مهماً بأحداثه دقيقاً بمضمونه درساً بليغاً لمن حضره..كنا مجموعة من شباب مقاتلين بمعنويات واندفاع عالين مقروناً  بالفخر لحجم المسؤولية التي أرتمت بأحضاننا الا وهي الدفاع عن الوطن ثمنها غالياً واستحقاقاتها الجود بالنفس فكانت أسمى غاية الجود  فتيتة امنوا بحب الوطن وازداد حبنا  واخلاصنا له يعلو على كل غالي ونفيس  كنا في مقتبل العمر لم يتعدى اكبرنا  ثلاثون سنه واحداث بالرتبة بين ( ملازم اول ونقيب ورائد ) ولكن نشعر باننا كباراً في التكوين  وتحمل المسؤولية والتي تعتبر أخطر  ماتقوم به الشعوب الحرة الا وهي الدفاع عن الاوطان والتضحيه من اجلها نعم هكذا كنا  واستمرينا وعاش بعضنا يوم النصر العظيم ٨ / ٨ / ١٩٨٨ وقد غادرنا  بعض من رفاق السلاح مبكراً وكانوا الاكرم منا جميعاً رحلت اجسامهم وبقت دمائهم تعطّر الارض التي ضحوا من اجلها ..حقاً انهم فتية أمنوا بربهم تمسكوا بشرف الدفاع سلاحهم الحديد وايمانهم عدالة القضية وشرف المهنة ولذلك انتصروا  أخذين العبرة من يوم كربلاء  عندما نادى سيدنا الحسين عليه السلام( الا من ناصر الا من معين )  فكان الحر الرياحي ..ومع فارق المقارنه عندما  ردد العراق نفس النداء فجاءه الصوت من كل حدب وصوب ( عونك ياوطن يابو الحضارات نحضنك لو چنت كلك سچاچين ).

٢. بالعودة لما سبق  في ذلك اليوم ٢٣ / ١٠ / ١٩٨٠ تحرك بنا باص عسكري نوع مرسيدس من قاعدة تموز الجوية  باتجاه بغداد كانت الوجهه قيادة القوة الجوية في الكرادة بان  شبح الحرب والظلام  يخيم على العاصمة اصطحبنا قائد القوة الجوية اللواء الطيار الركن محمد جسام الجبوري  وجهتنا القصر الجمهوري هو الاخر لا يقل عتمه عن ماهو خارجه  أستقر بنا الحال  في قاعة تحت الطابق الارضي أنيقه بمحتواها بسيطة بأثاثها  ونحن نعيش رهبة الحدث دخل الرئيس صدام حسين وبصحبته قائد القوة الجوية رحب بحضورنا وأثنى  على شجاعتنا  مقارنة باهمية وخطورة الاهداف التي تصدينا لها يوم ٢٢ / ٩ / ١٩٨٠ أستهل حديثه بالقول اليوم نستذكر حدثين حصلا في جناح طيران القاصفات  متناقضين بالفعل احدهما ما جرى مع الرفيق النقيب الطيار صميم وان الذي حصل هو خساره بالرغم من تداعيات الموقف ..الحدث الثاني ماحصل مع الشهيد الرائد الطيار ابراهيم محمد علي ورفاقه وبعد عودتهم من واجب قتالي في عمق ارض العدو  أمرته قيادة القوة الجوية نقل الطائرة الى قاعدة الوليد تحسباً لضربة جوية أيرانية  محتمله حصل الحادث الذي تعرفونه مما ادى إلى استشهادهم..أستمر اللقاء حتى العشاء وقد امر بتكريمنا قدماً ممتاز لمدة سنة .

٣. النقيب الطيار صميم أبراهيم السامرائي   دورة ٢١ كلية القوة الجوية فعال على طائرة TU22 لعب معه القدر  لعبته بشكل غريب أقرب الى الخيال  كان ضمن التشكيل المكلف بمهاجمة قاعدة مهر اباد الجوية في طهران  يوم ٢٢ / ٩ / ١٩٨٠  حينما كان في طريقه الى السرب ٣٦ حصل حادث سير الى العجلة العسكرية التي تقله نقل الى المستشفى العسكري في القاعدة تمت معالجته ومنح اجازة مرضية مع منع طيران لمدة خمسة ايام يقضيها في بيته داخل المعسكر ..يوم ٢٤ /٩ / ١٩٨٠ تم اخلاء طائرات TU 22 الى قاعدة الحديدة باليمن  مع ابقاء طائرتين وطواقمهما للواجبات الطارئه التي تطلبها القيادة العامة للقوات المسلحة..تعزيزاً للموقف تم الحاق كل من العقيد الطيار مهدي الصباغ والمقدم الطيار محسن الحكيم من قاعدة المثنى الجوية الى السرب ٣٦ كانا من اكفأ الطيارين واكملا تدريبهم  على طائرة TU22 في الاتحاد السوفيتي عام ١٩٧٠ وفق السياقات المتبعه أذا ترك الطيار الطائرة التي يعمل عليها لمدة طويلة عندما يتم ارجاعه يتطلب ادخاله دورة اعادة معلومات يرافقها طيران عملي لمدة قصيرة ليصبح فعال على نفس النوع مجدداً.

٤. كرر القدر فعلته مرة اخرى مع نقيب صميم  وكانت مجريات الاحداث كما يلي:

  أ.   صباح يوم ٢٦ / ٩ / ١٩٨٠ اتصل القائد العام للقوات المسلحة بغرفة حركات القاعدة بواسطة الهاتف المحوري ذو اللون الاحمر عندما يرن يعلم الجميع ان القائد العام  على  الخط  أجاب النقيب الطيار موفق عبد الواحد دورة ٢١ كلية القوة الجوية لكونه اقدم الموجودين نحن لا نعلم مايدور ولكننا نسمع اجابات نقيب موفق (  نعم سيدي ، انشاءالله ، الحمد لله الجميع بخير ، المعنويات عاليه  ) انتهت المحادثة وضح لنا محتوى الحديث بأمر من الرئيس ( أريد ان يباتوا ليلتهم ظلماء )  ايقنا ان الهدف الكهرباء وبما ان طهران تتغذى من محطة  كهرباء ( نگا  ) الواقعة على ساحل بحر قزوين جهة ايران ويقابلها مدينة سامفروبل الروسية على الساحل الاخر..لحظات وصل امر التكليف على جهاز نقل الصورة زخم الهجوم طائرتان TU22 حمولة الطائرة ستة اطنان قنابل لاقلاع الساعة الثالثة عصراً.

ب. بدأت المعضلة مجدداً بما ان عقيد طيار مهدي الصباغ والمقدم الطيار محسن الحكيم لم يكملوا التأهيل على الطائرة قرر امر قاعدة العقيد الطيار الركن مظهر محمد الفرحان استدعاء النقيب الطيار صميم المجاز مرضية وغير صالح للطيران التحق للسرب سأله امر قاعدة هل انت جاهز لتنفيذ الواجب أجاب نعم سيدي..توجه المنفذين لموقف الطائرات بالوادي الاخضر معهم امر قاعدة مودعهم داعيا لهم التنفيذ  بنجاح والعودة بسلام ..بعد التشغيل والفحص تبين ان طائرة نقيب صميم  تؤشر وجود خلل  بمنظومة السيطرة على السرعة من خلال اشتعال المصباح الذي يدل على ذلك بعد الفحص من قبل المهندس اكد لايوجد عطل وانما تماس بالمصباح سينطفئ بعد الاقلاع ولكنه لن ينطفئ مما يقيد سرعة الطائرة بحدود ٦٥٠ – ٧٠٠ كم/ سا بدلا من ٩٠٠كم / سا وهذا يتعارض مع الاستخدام القتالي للطائرة الذي يتطلب استثمارها  بقدراتها القصوى ومن الجانب الاخر يجب ان تكون سرعة التشكيل المكلف بالواجب متساوية..تدخل امر قاعدة وهو في برج السيطرة الجوية موجهاً أمراً الى نقيب صميم الاستمرار بالواجب بالسرعة المتاحه اعتبار الطائرة كما هي سرعة  طائرة TU16  ان هكذا امر غريب ومخالف للسياقات التعبوية والفنيه  وان المسؤول عن القرار هو الطيار  وليس اي شخص اخر ..من هنا جائت الكلمة القاتله ( عندما قال امر قاعدة صميم نفذ وهذا امر )  اجاب نقيب صميم غير ممكن  وانا ليس بنفسي ولكنني مسؤول عن حياة الملاح والمقاتل  ولا يجوز لي القبول بالمخالفة..بعد الهبوط  تم استدعاء نقيب صميم الى استخبارات القوة الجوية وتقرر اتهامه بالتخاذل وهذا غير صحيح لو فعلاً كان لا يريد الطيران لاستخدم الحجة القانونية المتمثلة بالاجازة المرضية ولكنه كان صادقاً ومتلهفاً لتنفيذ الواجب  ( صدر القرار بالاعدام )  بعدها صدر مرسوم جمهوري اعتباره شهيد الغضب وانفاء تهمة التخاذل التي اعدم بموجبها.. رحل ابو فرح مظلوماً تاركاً خلفه ابنته الوحيدة وزوجته يعيشون ظروف صعبه ومنها نفسياً بسبب التهمه التي الصقت به ظلماً وبهتاناً  ومع هذه الدراما السوداء  استطيع القول بكل   أمانة ان ابا فرح ذهب ضحية الغضب والاوامر خارج المعقول  فمتى ينصفه التاريخ  وكان هذا الايضاح جزء من الانصاف ..لو كانت العقلانيه حاضره وان الاوامر تنفذ وفق السياقات الصحيحة حسب الاختصاص لما حدث الذي حصل..واخيراً نفذ الواجب بدقة من قبل الطائرة الاولى ولكن مع الاسف كانت المهاترات والتدخل خارج الاختصاص كان ثمنها الذي حصل  رحل نقيب صميم غابت روحه وبقى تاريخه وشجاعته ووطنيته يرددها صدى الزمان..مع الاسف حصلت هكذا امور مع الكثير في طيران الجيش والقوات البرية أتجاه الكثير من المشهود لهم بالشجاعة والاخلاص ولكن التدخل خارج المنطق والمعقول هو الحاضر…الرحمة والمغفرة لارواح ضحايا الغضب المجد والخلود لشهداء القوات المسلحة.