عندما يجتمع الرعدان… ويكون الموت ثالثهم

24 نوفمبر , 2025

————————————————————-

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان

٢٣ تشرين الثاني ٢٠٢٥

وانا اقلب الذكريات عثرت على الصورة التي ايقظت ذاكرتي في ذلك اليوم

سردية توثيقية – درامية بمستوى الشرف الذي يليق برجال القاصفات

١. لم يكن صباح 11/11/1987 يوماً عابراً في تاريخ الحرب، بل كان يوماً معجوناً بالطين والدم والدخان، يومٌ بدا وكأن الله امتحن فيه صلابة الرجال أمام رياح القدر.كان كل شيء في الشرق مكفهراً:

السماء ملبدة، الأرض تئن، والقطعات العراقية تستغيث من ثقل الهجوم الإيراني في معركة كربلاء 5 أو الحصاد الأكبر ( معركة نهر جاسم المشهودة بقساوتها وصمود الرجال دفاعا عن جوهرة الخليج البصرة الفيحاء والتي راهن العدو على احتلالها ) كما أسماها العراقيون حين تحولت جبهة بحيرة الأسماك إلى طاحونة حديد تبتلع الرجال والعتاد.الجو الرديء… والقرار الأصعب توقفت معظم القواعد الجوية بسبب سوء الأحوال.طائرات الاعتراض والمقاتلات حُجبت عن الإقلاع، وقاعدة الإمام علي في الناصرية – قلب الجنوب أغلقت أبواب السماء.

٢. المعركة كانت تنزف، والنداء من الأمام لم يتحمل التأجيل.هنا برز خيار قيادة القوة الجوية:

إشراك أسراب القاصفات رغم الطقس الرديء.فالقاصفة ليست طائرة… إنها قرار استراتيجي.هي التي ترى من خلف العاصفة، وتضرب رغم الغيوم، وتدخل في أسوأ الظروف عندما تتراجع كل الأجنحة الأخرى.عندما يُفتح الممر بالنار.

٣. كان الخطر الأكبر هو منظومات الصواريخ الإيرانية شرق بحيرة الأسماك.عادةً ما تُفتح الممرات عبر طائرات Su-22 بصواريخ X-28 الراكبة للشعاع، تُعمي الرادار وتفتح طريق “IN – OUT” للقاصفات.لكن ذلك الصباح،

أُغلقت قاعدة الناصرية… وتعذر إقلاع الـSu-22.

لم يعد أمام القاصفات إلا أن تشق السماء وحدها… بلا تمهيد… بلا حماية.

٤. المهمة التي تُشبه قرار دولة ست طائرات Tu-22 ، أربع طائرات Tu-16حمولة تجاوزت 90 طناً من القنابل.هدف واحد مستطيل ناري بطول 60 كيلومتراً في جبهة بحيرة الأسماك.

٥. لم يكن هذا هجوماً جوياً عادياً،كان صفحة من كتيب إرادة الشعوب التي ترفض الاستسلام والهزيمة وتايقض النصر بالموت.

٦. الرعدان… رعد حميد ورعد سلمان من بين طواقم ذلك السرب، برز اسمان يرنّان كوقع الصاعقة:الرائد الطيار رعد حميد مشحن الحردان الرائد الملاح رعد سلمان خلف العبيدي اجتمعا في طائرة واحدة.وحين يجتمع الرعدان… تكون الشجاعه درعهما والشهادة هدفهما والوطن غايتهما لم يفكرا بان يكون الموت ثالثهما.

٧. رعد سلمان العبيدي… الرجل الذي غيّر طريقه من السفر الى الاستشهاد كان منقولاً حديثاً إلى منصب ضابط ركن في قاطع الدفاع الجوي الثالث في الناصرية.

كتاب التحاقه في جيبه…وكان الصباح يشهد على عزمه مغادرة القاعدة إلى موقعه الجديد.

لكن القدر أوقفه.انحرف الى  السرب العاشر في مطار الهضبة فقط ليودّع زملاءه، غير أنه حين رأى الوجوه المحتشدة التواقه للمهمة وسمع صدى السرب وهو يُطلب نهضة الرجال،لم يقوَ على الانصراف.قال كلمة واحدة تكفي لتفسير التاريخ:

“أشارككم حتى لو اموت انها يقظة الشجاعة التي تتخطى المستحيل..الشهيد رعد العبيدي.”لم يكن في واجب الطاقم.

لم يكن مكلّفاً.كان قادراً أن يذهب لعمله الجديد… ويعيش.

لكنه اختار الجبهة.

اختار الطائرة.اختار أن يقف في المكان الذي يتطلب رجالاً لا أوامر.

٨. ملازم ملاح جاسم شاب يافع وفي مقتبل العمر التحاقه للسرب واكمل تدريبه بتفوق كانت الإجازة التي تحولت إلى شهادة أن يغادر إلى أهله الساعة التاسعة صباحاً.

وحقيبته جاهزة.لكنه أصرّ بالقول أكمّل المهمة ما أترك رفاق السلاح وحدهم.”لم يصل إلى أهله… ولكنه وصل إلى السماء.

٩. التحليق الأخير: انطلقت القاصفات رغم السحب الثقيلة،ورغم أن الطريق لم يُفتح بصواريخ X28،

ورغم أن الدفاعات الإيرانية كانت في أقصى يقظتها.

وحين عبرت الضربة العملاقة فوق بحيرة الأسماك،

قلبت الأرض قلباً…واخترقت خطوط الهجوم الإيراني…

وكان أثرها يشبه زلزالاً أنقذ البصرة من السقوط.

لكن الإيرانيين ومن حقهم ايضا للدفاع عن مهمتهم،وبنظام تتبع نصف أوتوماتيكي،أطلقوا صواريخهم وتمكنوا من إصابة القاصفة الأخيرة.

سقطت الطائرة.استشهد جميع أفراد الطاقم…

إلا المقاتل أحمد ميكائيل الذي قفز بالمظلة ووقع في الأسر، قبل أن يعود إلى العراق ثم يتوفاه الله.

١٠.مشهد النهاية…لم يكن سقوطهم هزيمة،

كان خاتمة منطقية لرجال أخّروا سقوط مدينة،وثبّتوا ميزان حرب،وتركوا للعراقيين قصة تُشبه الأسطورة انهم الشهداء الخمسة ( رعد حميد ، رعد سلمان ، جاسم ، حميد ، حميد شعلان ).لم يموتوا في السماء،بل وقعوا مكانهم الصحيح… في ذاكرة الوطن.هذه ليست قصة طائرة سقطت.

هذه وصية جيلٍ من رجال القاصفات الذين علموا العالم أن القرار لا يُكتب بالحبر، بل بالجناحين الملطخين بوقود المهمة.هؤلاء الخمسة لم يكونوا ضحايا…

كانوا سداً هوائياً وقف بين البصرة والسقوط.

كانوا شهقة الوطن حين ضاق صدرُه بالحرب.

وكانوا هدية السماء للعراق…ثم استردّتهم السماء لأنها تحتاج رجالاً كهؤلاء.

  • الصورة في الصين عام ١٩٨٦ : 
  • الواقفون من اليمين الثالث الشهيد الرائد الطيار رعد حميد مشحن الحردان..الخامس من اليمين الشهيد الرائد الملاح رعد سلمان خلف العبيدي