النصر المؤجل حين تنافرت الاستراتيجيات( وتعثرالقائد في فخ العظمة )

31 أكتوبر , 2025

بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
٢٤ تشرين الاول ٢٠٢٥

توطئة : أنا اللواء الملاح الركن فيصل حمادي العمري، ورفاق السلاح المحمّلين بعطر المعركة ورائحة البارود. لقد استفزّتنا تصريحات ترامب حول غزة حين قال إن على حماس أن ترضخ لإنشاء اتفاق سلام، ووعد بالضغط على إسرائيل بعدم ضم غزة كأن القضية الفلسطينية سلعة رخيصة تُعرض في سوق النخاسة، متناسٍ أن هذه القضية ليست قطرة ندى تُمحى بنبرةٍ سياسية، بل بذرةٍ نَبَتَتْ ونَمَتْ وارتَوَتْ بدماء الشهداء وعرق الأحرار. لذلك كتبت هذا المنشور أدناه: لأسجّل شهادة الضمير، دفاعا عن حقٍ لا يُقاس بمزاج القوى،مذكراً بأن الحرية لا تُمنح من منابر الانتهازية بل تكتسب بتضحيات وصمود الشعوب .

١. حين تُطوى صفحةٌ من صفحات التاريخ، لا يعني ذلك أن الحكاية انتهت؛ بل قد تكون البداية لقراءةٍ أعمق. قيل إن صفحة غزة انطوت، لكنّها تذكير صارخ بأن النصر ليس له آذانٌ تسمع فوراً، بل له عيونٌ ترى وإحساسٌ يستشرف عبق الإصرار. النصر لا يموت عند صمت المدافع؛ بل يصمد في الصدور، يختبئ في ذاكرة الشعوب، وينتظر اللحظة التي تستعيد فيها الأمة شهيقها.

٢. الانتصار المؤجل هو حالة زمنية ونفسية معاً: زمنٌ يبدو فيه الظفر بعيداً، ونفوسٌ لا تساوم على كرامتها. في هذه المسافة بين الحلم والواقع، يولد الفعل الحقيقي ليس فقط ردة فعلٍ عسكرية، بل وعيٌ جماعي يُعِدّ نفسه للقيام. نحن، الذين عشنا الميادين وتشمّمنا رائحة الانتصارات والهزائم، نعلم أن الخطاب القومي لا يَصنعه بيانٌ واحد، ولا يُستعاد بمهرجانٍ عابر؛ إنما يُبنى بصبرٍ مؤسساتي و بتربيةٍ وطنية تُحرّر الذاكرة من الأوهام وتبنيها على الحقائق.

٣. ابناء أمتنا العربيه تذكّروا: ان القوة التي لا تُستثمر بحكمة تُصبح عبئاً، والاستراتيجية التي تُفتقد للمرونة تُؤخّر الحسم. لكنّ الضمير القومي الذي جُرِّح لا يموت قد يخرس لفترة، قد يكتئب، لكنه لا يستسلم. ومن رحم الانكسار يولد عهدٌ جديد: عهدٌ يتعلم من الأخطاء، يراكم الخبرة، ويصوغ أدوات النهوض. صواريخ الحسين والعباس لم تكن فقط صخباً عسكرياً؛ كانت رسالة وجود، إيقاظاً لضميرٍ نام.

٤. الحلم المؤجل : هو وعد لم يُوفَّ بعد، لكنه وعدٌ لا يتلاشى. جيلنا قد لا يرى ثماره كاملة، لكن دوره أزلي: أن يوقظ السرد الوطني، أن يسلّم الشعلة، وأن يبقى شاهداً ومرشداً. على الذين يأتون بعدنا أن يَقرأوا التاريخ بلا رهبة، وأن يُعيدوا بناء الدولة بمؤسساتٍ قويةٍ لا تُختزل في شخصٍ واحد. فالقومية ليست استرجاع صدى بل مشروع حياة، يحتاج إلى حكمة تُضبط بالقوة، وإرادة تُمدّها الخبرة.

٥. فلنختم كل ماورد اعلاه :بنداءٍ هادئ لا نحتفل بانتصارٍ وهمي، ولا نستسلم لليأس. لنعمل على تهيئة الأرض لمن سيكمل المسيرة: تعليم، مؤسسات، قيادة رشيدة، وضميرٍ يقظ. حين يحين الوقت، سيعرف التاريخ كيف يميِّز بين من ساهم في البناء ومن أعاقه. وحتى ذلك الحين، تبقى الذكرى سراجاً يضيء لقلوب الأحرار، والحلم المؤجل وعداً لا يَخون.