القاصفة التي أسقطت 16 مقاتلة يابانية في يوم واحد
4 فبراير , 2026منقول من صفحات اللواء الملاح الركن فيصل حمادي
من قصص المعارك الجويه في الحرب العالميه الثانية
أطلقوا على هذه القاصفة الامريكية طراز ( B-17 ) لقب ( المشأومة ). لكن طاقمها استطاع اسقاط ١٦ طائرة يابانية من ( طراز زيرو ) في معركة واحدة .
١. الساعة 8:03 صباحًا من يوم 16 يونيو 1943، كان الكابتن ( جاي زيمر ) البالغ من العمر (24عاماً ) يُحلق بقاذفته من طراز ( B-17 ) على ارتفاع 25 ألف قدم فوق جزيرة ( بوا اليابانية )..بينما كانت 16 مقاتلة يابانية من طراز ( زيرو ) تتجه نحوه .. كانت القاذفة قبل ثلاثة أشهر معطله تماماً ومركونه في ساحة الطائرات المتروكة، وبعد ان تم تصليحها لم يكن أحد يرغب الطيران فيها لتنفيذ أية مهمة. وكان هذا اليوم يعتبر أخطر مهمة تطوعية للطاقم قد لم تتكرر حتى الآن. خصصت الطائرة للقيام بواجب استطلاع تصويري لاهداف تبعد بمسافة 12,200 ميل .. القيادة اعتبرت تلك المهمة بالانتحاريه .بعد ان خسر ت القوة الجويه الامريكية خلال الأشهر الستة التي سبقت، في منطقة المحيط الهادئ فوق جزر تحت سيطرة القوات اليابانية 43 قاذفة لم ترافقها طائرات مقاتله للحماية ،شكلت نسبة النجاة لطائرات الضربة التي نفذتها القاصفات الامريكية أقل من 30%.
٢. كانت القاصفة ( B-17E ) المكلفة بالمهمة تحمل رمز النداء ( old 666 ) طاقمها الجوي مؤلف من تسعة رجال . أطلقوا على أنفسهم لقب ( القنادس المتحمسون ) لأنهم تطوعوا في مهمة شبهه انتحارية أعتذروا الآخرون عن تنفيذها باستخدام طائرة متضررة وتم إعادة تصليحها..جميع الطيارون يعتبرونها ( مشؤمة ) بعد اعادة تصليحها حيث خففوا وزنها بمقدار 2000 رطل، وتزويدها بمحركات جديدة، وتسليحها بـ 19 رشاشًا من عيار 50 ملم مما جعلها تحمل قوة نارية أكثر من أي طائرة أخرى تعمل في المحيط الهادئ.مع ذلك ان القوة النارية لا تعني شيئًا أمام احتمالات نجاة شبهه مستحيلة. بوجود المقاتلات اليابانية المذهله بمعدل تسلق يصل الى 3000 قدم في الدقيقة.
٣. تطلبت المهمة أن تحافظ الطائرة على مسارها بلا مناورات حتى لو كانت لتفادي المخاطر ..كان الملازم الثاني ( جوزيف سارنوسكي ) البالغ من العمر 28 عام منبطحًا في في مقدمة الطائرة.خلف الرشاش القاذف .. سبق وان نفذ عشرات المهام القتالية خلال مدة 18 شهراً نال من خلالها وسام النجمة الفضية …قبل ثلاثة أسابيع من هذا الواجب .كانت أوامر مدة تكليفه قد انتهت وان عودته إلى الوطن ستدخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة أيام. حقيبته كانت جاهزة للمغادرة من محل اقامته في ( بورت مورسبي ) ومع ذلك تطوّع لهذه المهمة لأن الطاقم كان بحاجة إلى رامي جيد وخبير في استخدام كاميرات التصوير الاستطلاعية .
٤. بدأت المهمة عند الساعة 4:00 صباحًا حيث أقلعت القاذفه ( 666 old ) من ( بورت موريسبي ) في غينيا الجديدة. عندما احتاج مشاة البحرية صورًا للساحل الغربي ( لبوغانفيل )استعدادًا للهجوم المقرر في نوفمبر، وصورًا لخليج ( إمبريس أوغستا )لكن الاستخبارات أضافت مطلبًا في اللحظة الأخيرة: هو تصوير مطار ( بوا ) إذ أظهر في الجزيرة نشاطًا جوياً يابانيًا متزايدًا.
٥. بدأت القصه بعد ان اقتربت المقاتلات اليابانية إلى ارتفاع 22 ألف قدم، ولا تزال تتسلق للارتفاع المطلوب . كانت 16 طائرة مقاتلة ضد قاذفة واحدة بلا مرافقة طائرات حماية لم يكن لدى الطائرات اليابانية طراز ( P-38 ) المدى الكافي…وصلت القاذفه إلى ( بوغانفيل ) مبكرًا جدًا. لم يكن هناك ضوء شمس كافٍ للتصوير. ناقش الطاقم الانتظار فوق المحيط أو تصوير مطار ( بوا ) أولًا. تلك اللحظات وصلت مقاتلات الزيرو إلى ارتفاع 24 ألف قدم، على بعد قريب جدا انفصلت أول خمس طائرات وانتشرت في هجوم أمامي.وهذا يشكل نقطة ضعف للقاذفات الامريكية كانت معظم طائرات B-17 تفتقر لتسليح قوي في المقدمة. لكن القاذفة old 666 بعد تصليحها وضعت ثلاثة رشاشات امامية عيار 50 ملم ..لم يكن اليابانيون يعرفون ذلك …انقضّت مقاتلات الزيرو بسرعة 700 ميل في الساعة للمهاجمة حافظ الطيار على استقرار الطائرة لان الكاميرات لا تزال تعمل ولم يتبقى لانتهاء التصوير الا الوقت القليل.على بعد 600 ياردة فتحوا النار. رد ( سارنوسكي ) بإطلاق النار. دوّت رشاشات العيار 50. بنفس الوقت ضغط ( زيمر ) على الزناد. تلاقت النيران الثلاث على أول مقاتلة زيرو.انفجر محركها، وانقلبت رأسًا على عقب.واصلت الأربع الأخرى التقدم. عند 300 ياردة، أصابت القذائف مقدمة الطائرة. تحطم الزجاج الأمامي. انفجرت قذيفة أمام ( سارنوسكي ) مباشرة. قذفته العاصفة إلى الخلف. تدفّق الدم من عنقه وجنبه. في قمرة القيادة، اخترقت القذائف أرضية الطائرة. انفجر الألم في ساق ( زيمر ) اليسرى. مزّقت الشظايا ساقيه ومعصمه. مرّت طائرات الزيرو خاطفة. خلال 12 ثانية. النتيجة مقاتلة يابانيه مدمّرة، وأخرى متضررة. رامي يحتضر. طيار مصاب. 15 مقاتلة لا تزال في السماء. 600 متر فقط من الأمان.زحف الملاح الملازم الأول ( روبي جونستون ) إلى الأمام. وجد ( سارنوسكي ) اسفل الممر المعدني. تجمّع الدم على أرضية الطائرة. كانت جراح عنقه تنزف مع كل نبضة قلب.ضغط جونستون بيده على الجرح محاولًا إيقاف النزيف. لكن ( سارنوسكي ) دفعه بعيدًا وأشار إلى رشاشات المقدمة.كانت موجة أخرى من طائرات الزيرو قادمة. ( نظر جونستون ) عبر الزجاج المحطم. ثماني مقاتلات زيرو تهبط من ارتفاع 26 ألف قدم. لقد راقبوا الهجوم الأول وتعلموا منه. هذه المرة لم يأتوا صفًا واحدًا. بل جاءوا في هجوم كماشة أربع من الأعلى، وأربع من الأسفل.جرّ ( سارنوسكي ) جسده المدمّى عائدًا إلى موضع القاذف. كانت بدلته مغمورة بالدم. أمسك مقابض رشاشي العيار 50، ووجّههما نحو المقاتلات القادمة.كانت يداه ترتجفان. رؤيته مشوشة. رمش بعينيه. ركّز.امتلأت منظومة التصويب بمقدمة مقاتلة زيرو ضغط الزناد.زأرت رشاشات العيار 50.وسارت الطلقات المضيئة صعودًا على أنف طائرة الزيرو استمرت المواجهات الى ان تمكن طاقم القاذفة من اسقاط ١٦ مقاتله يابانيه ..لكن القصة… لم تنتهِ عند العودة.الملازم جوزيف سارنوسكي ظل ممسكًا بالرشاشات حتى آخر نفس.نزف حتى الموت في مقدمة الطائرة،
لكنه أنقذ الطاقم وأسقط آخر مقاتلة قبل أن ينهار.
بعد المعركة،عادت Old 666 مثقوبة بعشرات الطلقات،
وملطخة بالدم…لكنها عادت.نال سارنوسكي وسام الشرف الأعلى (Medal of Honor) بعد وفاته.ليس لأنه مات…بل لأنه قاتل وهو يعلم أنه لن ينجو.الكابتن جاي زيمر،رغم إصاباته الخطيرة، هبط بالطائرة بنفسه.وبسبب شجاعته، نال هو أيضًا وسام الشرف.أما الطائرة التي وصفوها يومًا بالمشؤمة ،فأصبحت أسطورة.ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد اسم Old 666 يعني سوء الحظ…بل يعني أن المستحيل…يمكن إسقاطه. ومنذ ذلك اليوم،
لم يعد اسم Old 666 يعني “المشأومة”. بل يعنيي أن طائرة واحدة…وطاقمًا واحدًا…تمكنوا من تغيير مجرى التاريخ الذي صمت أخيرا امام بطولتهم .تبقى البطولة والتضحية من أجل الواجب واحدة، مهما تبدّل الزمان واختلف المكان.قد تتغير الظروف، لكن جوهر البطولة والتضحية من أجل الواجب يبقى ثابتًا عبر العصور.الزمان والمكان يتغيران، أما معنى البطولة والتضحية في سبيل الواجب ثابته فلا يتغير.
اترك تعليقك